القيلولة تفيد الصائمين

القيلولة تفيد الصائمين

تحقيق: راندا جرجس

من الضروري أن نتذكر أن الجسم معتاد على روتين معين، والصيام يحدث تغييرات مفاجئة على أنماط النوم والنظام الغذائي والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات صحية واجتماعية كبيرة في المرء، ومن المعروف أن الجوع وقلة النوم يتسببان بحدة الطباع والغضب ما يمكن أن يؤثر في التصرفات الاجتماعية، فعلى الإنسان أن يمتلك زمام المبادرة وأخذ الاحتياطات الأساسية للإبحار في رحاب شهر رمضان المبارك والاستمتاع بأوقاته بصحة جيدة وشعور رائع، حسب رأي الأطباء والاختصاصيين.

يتحدث الدكتور ستيفين ألموس، اختصاصي آلام القحفية الوجهية والمفصل الصدغي الفكي واضطرابات التنفس أثناء النوم عن أن هناك علماً بحد ذاته يكمن وراء القيلولة، ولماذا هي جيدة جداً بالنسبة للإنسان، بل وتبرز أهمية القيلولة بشكل كبير خلال شهر رمضان المبارك حينما يتغير روتينك اليومي المعتاد، فعادة ما تستمر الغفوة القصيرة ما بين 20-30 دقيقة، ولكن آثارها قوية في تحسين اليقظة والأداء وتجنبك الشعور بالدوار، بل وتجعلك تهنأ بنوم جيد.
ومن الممكن أن يمثّل الحصول على ساعات نوم كافية في الليل أثناء رمضان مهمة شاقة ومستحيلة للكثيرين، فالاستيقاظ قبل الفجر والشروق لتناول السحور استعداداً لـ 15 ساعة من الصوم من شأنه أن يتسبب في اضطرابات في دورة النوم وشعور الكثيرين بالنعاس والكسل طوال اليوم، أحد حلول تلك المشكلات هو أخذ قيلولة لتعويض قدر كبير من مدة النوم المفقودة أثناء الليل. وأضاف د. ألموس أن النوم ضروري للحفاظ على الصحة الجسدية وجودة الصحة النفسية أيضاً، بل وتنعكس أهميته في كيفية أداء الأشخاص لأعمالهم خلال النهار، وينطوي رمضان على شهر كامل من الصيام المتناوب خلال ساعات النهار، ويتسبب بتغيرات كبيرة في أنماط النوم، يتأجل أيضاً الأكل والشرب والقيام بالأنشطة الاجتماعية والترفيهية إلى الليل، وهو الأمر الذي يؤدي إلى النوم متأخراً وتقليل الوقت المخصص للنوم ويؤثر في جودته خلال شهر رمضان. كل ذلك يلقي بظلاله على شكل الأداء خلال النهار، بما في ذلك انخفاض نسبة التركيز واليقظة واضطراب المزاج وزيادة نسبة التعرض للإصابات.
أذا كانت مستويات الطاقة لديك منخفضة خلال العمل، فالغفوة هي حل سحري ومفيد لك في تلك اللحظات، أبحث عن مكان هادئ بعيداً عن مكان عملك مثل سيارتك، وخذ قيلولة سريعة لمدة 20 دقيقة، اضبط المنبه الخاص بك مسبقاً لتضمن عدم استغراقك في النوم بالكامل، وحاول ألا تنام لأكثر من 20 دقيقة خلال القيلولة بالنهار، حيث من الممكن أن تستغرق في نوم عميق وتستيقظ متعباً ومرهقاً للغاية.
وأوضح د. ألموس كيف تفيد القيلولة الإنسان بأكثر مما كنا نعتقد من خلال النقاط الآتية:
ــ تعمل القيلولة على زيادة اليقظة لتحسين الأداء وتجنب الأخطاء، فمع ساعات عمل أقل في رمضان، نحن نريد إعطاء أفضل ما لدينا من أداء.
ــ نحن ندرك جميعاً بأن أوقاتنا الأكثر خطورة وصعوبة تلك التي تسبق الإفطار في رمضان، فبالوقوف على حقيقة أن الحصول على قسط كافٍ من النوم خلال الليل ضروري لقيادة السيارة بشكل جيد وآمن، فإن اتخاذ قيلولة قصيرة قبل القيادة من شأنه الحد من المخاطر والأخطاء الفردية وتجنب النعاس أثناء القيادة. أنا أقترح أيضاً أن تقوم بالتوقف بسيارتك على الفور في مكان آمن لأخذ غفوة سريعة في حال شعرت أنك بحاجة ملحة لها لمتابعة القيادة على الطريق، ولا تقود السيارة في حالة شعورك بالدوخة!
ــ تزيد القيلولة من القدرة على التعلم خلال التواجد في العمل.
ــ تقلل القيلولة أيضاً من الإجهاد والتوتر، وهو ليس بالأمر الهين إذا ما أخذنا في الاعتبار معايير الصحة الجيدة واللياقة البدنية.
ــ تعمل الغفوة أيضاً على تحسين أداء الذاكرة.
وأوصى بضرورة تخصيص الوقت لأخذ القيلولة طوال شهر رمضان، ولتبدأ من الآن وعلى الفور بعد العمل بمجرد دخولك إلى المنزل (وذلك في حالة العمل لساعات أقل في رمضان)، حيث سيكون لهذا الأمر العديد من الميزات الإضافية تتمثل في قدرتك على ممارسة أنشطتك خلال الليل بكفاءة عالية. أما في حال غير ذلك، سيكون أيضاً أخذ قيلولة لنصف ساعة قبل الإفطار أمراً مفيداً للغاية، لا شيء يتفوق على الغفوة أثناء النهار لتجديد الطاقة، وكل ما يتطلبه الأمر هو الممارسة ثم الممارسة ثم الممارسة.
وأبانت الدكتورة كارينا باتي جراحة الأسنان والمتخصصة في اضطرابات المفصل الصدغي الفكي TMJ أن الكثير منّا يربط بين رمضان وقلة النوم وتناول الوجبات المتأخرة في الليل والنوم أثناء النهار، ومع ذلك، قد لا تكون تلك هي الطريقة التي يُنظر من خلالها إلى رمضان.
فما يهم أكثر، أن تكون قادراً على إكمال ساعات نومك بشكل طبيعي في ظل ساعات الصيام وأوقات الإفطار والسحور دون بذل الكثير من الجهد أو حدوث أي مشكلات، وتأكد من أنك تحصل على ساعات النوم الضرورية خلال الـ 24 ساعة، عادة ما ينام الأشخاص لمدة 7-8 ساعات يومياً خلال الليل دفعة واحدة، ولكن خلال شهر رمضان لا يمكن حدوث ذلك، وعلى الرغم من ذلك يجب أن تحرص على تعويض ما فقدته من ساعات النوم ليلاً.
خذ الوقت الكافي لتضع خطة تلتزم بها قدر المستطاع خلال رمضان، قد تنطوي تلك الخطة على الذهاب إلى الفراش مبكراً عن المعتاد في الأيام العادية، على سبيل المثال، جرب الذهاب إلى الفراش الساعة 11 مساءً، وكذلك النوم لـ 4 ساعات بعد الإفطار، ثم استيقظ الساعة 3:30 صباحاً لتكون جاهزاً لتناول وجبة السحور وصلاة الفجر، ثم الرجوع مرة أخرى للفراش الساعة 5 صباحاً والنوم لساعتين، إذا تقلصت ساعات عملك في رمضان، يمكنك جعل فترة النوم أطول قليلاً، وفي حالة عدم وجود تلك الميزة، يمكنك أخذ قيلولة لمدة ساعة أو ساعتين بعد العمل لتعويض الفاقد من ساعات النوم ليلاً، يعني الروتين الجديد التضحية أو الحد من الوقت الذي تستغرقه من أجل الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، ولكن جسمك سيشكرك على الروتين الجديد الذي ينال خلاله على قسط كافٍ من النوم.
وأضافت د. كارينا: «نحن كبشر، لدينا فطرة تقوم على الاحتياجات الجسدية والعاطفية والروحانية التي تؤثر في بعضها بعضاً، كما أن النسيان هو فطرة لدينا، فنحن نميل إلى التغاضي عن الحقائق التي تؤكد أهمية حصولنا على القسط الكافي من النوم وتناول طعام وشراب صحي ومفيد، كما أن أجسامنا عادة ما تتفاعل ويكون لها ردة فعل تجاه نمط حياتنا بشكل عام، ومع عدم الاهتمام بتلك العناصر الأساسية، سوف نجد أجسامنا متعبة ومرهقة باستمرار، وروحنا وعواطفنا وأفكارنا شاردة ومشوشة، كما تؤثر قلة النوم أيضاً في هرمونات الجسم التي تتحكم في الشهية، فحينما تحصل على نوم أقل، تزيد شهيتك نحو الطعام، وهو ما يزيد من صعوبة الصيام».
وأضافت: «كما تود أجسادنا أن تكون مدربة وتتعلم من السلوك والانضباط، وكعلاج لقلة النوم، يمكننا أن نبدأ من خلال الالتزام بجدول زمني محدد، لذلك حينما تأتي تلك المواعيد، تعرف أجسادنا أنه قد حان وقت النوم، وكذلك حينما يحين وقت الاستيقاظ أثناء النوم، فاحرص أن تنام كل يوم في نفس المكان وأن يكون لك طقوس خاصة بالنوم في ذلك المكان كي يتعود جـــــسمك عليــــها ويشـــعر بالاسترخاء ويســــــتجيب للنوم بسهولة كل يوم في نــــــفس الوقت ونفس المكان، وأيضاً من الضروري أن ندرك أن الجسم له روتين معين في كل نواحي الحياة، وأن الصيام يجلب معه العديـــــد من التغييرات المفـــــــاجئة في أنمـــــاط النــــــوم والعــــادات الغذائية التي يكون عادة لها تأثيرات اجتماعية وصحية، ومن الواضح أيضاً أن الصيام يتسبب في انخفاض جودة النوم نفسها ويتسبب في قلة النوم بشكل متكرر، ولكنه لا يتـــــــسبب بالضرورة في» الحرمان من النوم»، لذا من الضروري الالتزام بنمط معين في النوم لزيادة حصتك اليومية منه خلال الصيام، وأجسادنا لهــــا حقوق علينا ومن المهم أن نعتني بها. يجب أن تكون مـــــدركاً كيــــــف تـــــقوم بعلاج وتأهـــــــيل نفـــــــسك. ابدأ من اليوم وتأكد من أنك تفعل كل ما تستطيع للإبقاء على نفسك مـتمتعاً بصحة جيدة، وهو ما سيساعدك بالتأكيد على أن تصلب قدراتك إلى الأفضل».
ويقول الدكتور أرشاد إبراهيم طبيب علم النفس والأعصاب والأخصائي في اضطرابات النوم، زميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين: «من المعروف أن تــــناول طعام صحي من شأنه أن يعظم من الفوائد الصحية المكتسبة، ولكن هل تعلم أن تناول الطعام بذكاء يمكنه أيضاً أن يرفع من جودة نومك؟ حـــسناً، فإنه لم يفت الأوان بعد للتعرف إلى الفوائد، فالجميع يعلم أنه من الضروري تناول طعام صحي خلال شهر رمضان، ولكن ينتهي الأمر عادة بــقلة بسيــــطة من الأشــــخاص هم من يقومون بذلك، والنسبة الأقل على الإطلاق يعرفون الأطعمة الجيدة بالنسبة لهـــم، كما نجد حولنا أن النسبة الأكبر يعتــمدون على تناول الطعام الثقيل ذي الــــسعرات الحرارية المرتفعة أثنــــاء الإفـــــطار في رمــــضان والذي في الواقع لا ينبـــغي الاعتمـــــاد عليه، فتحميل طبقك بالأطعمة الدهنية والمقلية من شأنه أن يحدث اضطرابات كبيرة أثناء نومك، فالوجبة الثقـــــيلة تعـــني أن الجسم سيحـــــاول هضم تلـــك المأكـــــولات لأطول فترة ممكنة، بينــما يحــــتاج في تلك الفترة إلى النوم والراحة». أضــــاف: أريد أن أســــلط الضوء عــــلى أهم الأغـــذية والأطعـــــمة الممنوعة:-
1. الأطعمة الحارقة والغنية بالتوابل: تكون عادة بطانة المعدة حساسة بعد يوم طويل من الصيام، وتناول الطعام الحار أثناء كسر الصيام سيسبب الحرقة والغازات، مما سيؤدي إلى النوم المضطرب في الليل.
2. الأطعمة المقلية مثل السمبوسة والفطائر واللفائف والتي يعتبرها الكثيرون أطعمة خفيفة، ولكنها في الواقع تحتوي على كم هائل من السعرات الحرارية والدهون التي لا يمكن للكبد معالجتها، لذا يتم تخزينها بعيداً على هيئة أنسجة دهنية، وتؤثر تلك الأطعمة بالسلب في الجهاز الهضمي وتسبب الحموضة، وهو ما يؤدي بالطبع إلى اضطرابات شديدة أثناء النوم.
كما يغير الصيام نظامنا الغذائي بشكل جذري خلال شهر رمضان، حيث تقتصر الوجبات على الصباح الباكر والمساء، مما يسبب تباطؤ عملية التمثيل الغذائي داخل الجسم، وهو ما قد يشعرنا بحالة من عدم الارتياح خلال اليوم، ومع ذلك، يمكن الحفاظ على صحة جيدة عن طريق استهلاك المواد الغذائية المناسبة أثناء تناول وجبات الطعام، وإليك ما يجب القيام به تجاه وجبات الطعام الخاصة بك أثناء الصيام:
ــ الحفاظ على التوازن: يجب اتباع نظام غذائي جيد، فالحصول على أطعمة غنية تحتوي على فيتامينات ب، والكالسيوم، والزنك سوف تساعدك على الحصول على راحة أفضل.
ــ تجنب اللحوم الباردة والقهوة: تحتوي اللحوم المصنعة على نسبة عالية من الصوديوم الذي من الممكن أن يقطع نومك بسبب ارتفاع ضغط الدم والجفاف الذي يسببه لك. يمكن أيضاً الحصول على نوم هادئ إذا ما تجنبت شرب القهوة ليوم واحد. جربها وستشعر بالفرق!
ــ شرب السوائل ضروري: دور الكلى فعال وحيوي جداً في المحافظة على المياه والأملاح في الجسم مثل الصوديوم والبوتاسيوم. ومع ذلك، يمكن أن يفقدهم الجسم بسبب التعرق، تأكد من شربك كمية كافية من السوائل مثل المياه والعصائر والفواكه كلما كان ذلك ممكناً، حيث أن ذلك يحميك من الشعور بالظمأ وجفاف الحلق أثناء النوم.
ــ تناول الآتي: تناول أطعمة الكربوهيدرات المعقدة الغنية بالألياف مثل تلك الموجودة في الحبوب والبذور، فعلى سبيل المثال ينصح بتناول خبز القمح الكامل والأرز البني والنخالة والفواكه والخضر بخاصة في السحور. تساعدك الأطعمة الغنية بالألياف على زيادة الشعور بالامتلاء والشبع وتعزيز مستويات الجلوكوز في الدم. من الممكن أن يتسبب الصيام أثناء النهار في زيادة حمض المعدة، وهو الأمر الذي يؤدي للشعور بالألم وعدم الراحة واضطراب النوم. لذا فالأطعمة الغنية بالألياف تساعد على تحييد أحماض المعدة وتخفيف الألم. تساعد تلك الأطعمة على زيادة السوائل لمنع دخول الغازات بكميات كبيرة والشعور بعدم الراحة داخل المعدة أثناء النوم.