كيف تفهم التطورات الاقتصادية الراهنة؟

كيف تفهم التطورات الاقتصادية الراهنة؟

في الوقت الذي تتدفق فيه على هاتفك المحمول مئات الأخبار الاقتصادية والمالية المشبعة بالتشاؤم، ما سيصيبك بكثير من الإحباط، ويدفع بك نحو مستويات غير مسبوقة من القلق والخوف من المستقبل، التي ستدفع بك إلى احتمال اتخاذ الكثير من القرارات المتهورة وغير المدروسة، وقد تؤدي قراراتك أو خياراتك المرتبكة حينئذ إلى توريطك بصورة أكبر في تحديات اقتصادية أو مالية أو اجتماعية أصعب مما كان في الحسبان! ولن يتوقف مسلسل إحباط معنوياتك هنا عند حد معين، بل ستجد أنك انزلقت في منحدر لا تعلم نهايته، تتقاذف بك تموجاته المحبطة واحدة تلو الأخرى، تسقطك نفسيا مرة بعد مرة، لتتخذ على أثر كل واحدة منها قرارات مرتبكة متتالية، ولا يعلم أين سيستقر بك الحال في نهاية هذه الدوامة البالغة الغموض والتعقيد؟! كيف لك أن تتعامل بحكمة وصبر مع مثل هذه المتغيرات المتسارعة؟ علما بأنني لا أنصب شخصي أو قلمي هنا عليك كوصي أو مرشد، بقدر ما أنه مجرد رأي يمكنك تجاهله تماما قبل أن تأخذ به، وألا تمنحه ذرة من اهتمامك، أو أن تتيح له من إنصاتك وتفكيرك ما لا يتجاوز نسبة 1 في المائة من الفرصة التي منحتها لخبر محبط قرأته بالكامل عبر هاتفك المحمول أو أي وسيلة أخرى، فالقرار النهائي أولا وآخرا يعود إليك أنت فقط، ولا يوجد ما يفرضه عليك بأي حال من الأحوال، إلا قناعتك أنت وحدك. في البداية؛ لا أحد منا يختلف على إيماننا والعمل بقوله عز وجل في محكم التنزيل (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) الآية 51 من سورة التوبة، وأن كل شيء في حياتنا قدره الله ـــ عز وجل ـــ يقابله المؤمن منا بالرضا والحمد والصبر مهما كان الأمر، مقرنا قوله وعمله بالتوكل على خالقه في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته. ثانيا: أن يتحقق المرء من موثوقية أي خبر أو معلومة ترد إليه، وتزداد أهمية التحقق والتأكد من أية أخبار واردة أو منتشرة بدرجة واسعة خلال الأوقات التي تتسم بالأزمات أو التغيرات المفاجئة، ذلك أن الأنباء الكاذبة أو الشائعات يرتفع كعبها بدرجة عالية جدا في مثل تلك الأوقات، وتجد لها قنوات نافذة وسريعة جدا وصولا إلى شرائح واسعة من أفراد المجتمع، الذين بدورهم إن تمكن اليأس والقلق من أنفسهم، يجدون أنهم دون شعور منهم بخطورة إعادة نشر وبث تلك الأخبار دون التحقق أو التأكد من موثوقيتها، قد أسهموا بقوة بالغة الخطورة في نشرها أكثر، والتسبب في منحها تأثيرا قويا قد يلحق كثيرا من الأضرار الجسيمة بمقدرات العباد والبلاد في أحيان كثيرة، أو حتى قد يسهم هذا النشر غير المسؤول في تحقق تلك الشائعات رغم أنها في الأصل كاذبة! ثالثا: بعد التأكد من موثوقية وصدق أي خبر أو معلومة أو أي قرار؛ يأتي الدور الأهم لقراءة وتحليل ودراسة تلك الأخبار أو المعلومات والقرارات! وكم من الأخبار أو القرارات التي تم تفسيرها أو قراءتها على العكس تماما من المضمون الذي حملته؟! فقد تجد خبرا أو قرارا اتجاهه جهة الشرق، لكن تجد أن تفسيره أو تحليله الخاطئ الذي انتشر أكثر من الخبر أو القرار؛ قد ذهب به عنوة باتجاه الغرب أو أي اتجاه بعيد كل البعد عن اتجاه أصل ومضمون الخبر أو القرار. أي فوضى عارمة يمكن أن يجد المرء نفسه أو المجتمع بأكمله في مواجهتها، إذا نحن أغفلنا المخاطر الوخيمة لما تقدم ذكره؟! بدءا من ضرورة التأكد والتحقق من موثوقية الأخبار، انتهاء بالقراءة والتحليل الدقيق والموضوعي لفحواها إذا ثبتت موثوقيتها. رابعا: لا شك أنه فارق كبير جدا أن يترتب على خبر أو قرار ما؛ حدوث تغيرات لاحقة لأي منهما بنسب محددة، تدخل ضمن الاحتمالات المأخوذة بالحسبان، وقد تكون تغيرات مستهدفة الحدوث! وبين أن يأتي تفسير آخر غير دقيق وغير موضوعي، إما بتضخيم النتائج المحتملة وإما بإلغاء أية نتائج مرتقبة، مثال ذلك تضخيم الخسائر المحتملة على منشآت القطاع الخاص إلى حدود الإفلاس كما حدث أخيرا، رغم أن الآثار المحتملة قد لا تتجاوز انخفاضا في هوامش الأرباح بنسب متفاوتة، وهو الأمر الممكن التكيف معه، في الوقت الذي يستهدف مروجو تلك التوقعات المبالغ فيها، الإبقاء على حياة التشوهات الأكثر خطورة لدى منشآت القطاع الخاص، والتصدي لأية قرارات إصلاحية تستهدف معالجة الخلل الذي يعانيه الاقتصاد والمجتمع، في الوقت ذاته الذي انحصر المستفيد فقط من استدامة تلك التشوهات في المنشآت بالقطاع الخاص ذاته، والتي روجت لآثار وخيمة لقرارات الإصلاح، هي في الأصل آثار مبالغ فيها وغير دقيقة، كان الهدف منها منع تلك القرارات من النفاذ! إلا أنها مع الأسف أدت إلى ترك آثار محبطة واسعة جدا لدى أغلبية شرائح المجتمع، ودفعت عبثا إلى انتشار القلق والخوف المبالغ فيه، الذي تم توظيف نتائجه السلبية في مصلحة المستفيدين من استدامة حياة التشوهات الراهنة، في الوقت ذاته الذي اندفع فيه المستهدفون مستقبلا بجني مكاسب تلك الإصلاحات، نحو اتخاذ بعض القرارات الآنية غير المدروسة التي قد تلحق الضرر بمصالحهم، أو قد تحرمهم من الاستفادة من الآثار الإيجابية المرتقبة لمصالحهم. خامسا: تقع على الأجهزة المعنية بأي من تلك الأخبار أو القرارات مسؤولية جسيمة جدا، يعاب على أغلبها إن لم تكن كلها غياب الوفاء بمهام تلك المسؤولية تجاه المجتمع، بدءا من ضرورة رفع مستوى الاتصال والمعلوماتية والشفافية مع الأفراد والمؤسسات، وأن تتسم بالاستمرارية والانتقال من مجرد نفي الشائعات، إلى الاستباقية القصوى في إيضاح المعلومات والآثار والأهداف المترتبة على أي قرار أو إجراء يتم اتخاذه، الأمر الذي سيؤدي بفعالية إلى تضييق الخناق على الفجوة الكبيرة الراهنة، التي تسبب وجودها واتساعها في انتشار الكثير من الأخبار والتأويلات والشائعات البعيدة عن الحقيقة، وهي الجهود والمسؤوليات التي يتأخر الكثير من الأجهزة الحكومية في الوقت الراهن عن الوفاء بها مع الأسف الشديد، ما يتطلب سرعة التحرك من قبل إداراتها المعنية لمعالجة أوجه القصور والتأخر الراهن، والضرورة القصوى للتعامل بقدر أعلى من الاحترافية والمسؤولية والعناية التامة مع تطلعات وتساؤلات حتى مشاعر الخوف والقلق لدى الأفراد والمؤسسات على حد سواء. والله ولي التوفيق.