بوتين كما يراه أوليفر ستون ... الرجل الواقف خلف قناعه كرئيس

بوتين كما يراه أوليفر ستون ... الرجل الواقف خلف قناعه كرئيس

غالباً ما يبدو الرئيس الروسي من خلال الشاشات الصغيرة نموذجاً للرجل الغامض، المحكم الحركة والإرادة، والذي يتمتع بوجه محدد الملامح ونادر التحول بين تعبيرات مختلفة تعكس مرونة الفكر والحركة معاً... وعلى رغم تلك الصورة الصارمة التي تصل إلى الملايين من المشاهدين، لا سيما المغرمين بتأمل أساليب الرؤساء في الحديث والحركة والتعبير بملامح الوجه وتعاريج الصوت، إلا أن هناك نوعاً من الجدل يثيره دائماً ظهور بوتين على الشاشات وحيرة المشاهد في تتبعه أو البحث عن منفذ ما مثير للدهشة في هيئته مثلما يحدث مع ترامب، وقبله أوباما، ومع غالبية زعماء العالم المهمين لدى الميديا التي تبحث عن أي زاوية للنفاذ إليهم من أبواب أخرى غير مواقعهم وسياساتهم. لهذا جاء فيلم «محاورات بوتين» لأوليفر ستون ليفتح الأبواب أمام صورة أخرى لهذا الرئيس الصارم المحايد الملاح.

مخرج شديد الخصوصية

أوليفر ستون ليس مجرد أي مخرج سينمائي وإنما هو أكبر الأسماء في السينما العالمية التي قدمت الأفلام الوثائقية والتسجيلية منذ بدأ عمله في السينما الأميركية بفيلمه القصير الأول «العام الماضي في فيتنام» عام 1971، وقبله كان ستون قد ذهب إلى فيتنام جندياً متطوعاً في الجيش الأميركي ليكتشف ما جعله ينجز هذا الفيلم ويبدأ طريقاً طويلاً في صناعة أفلام عدة تناقش وتحلل ما يحدث في العالم، ومسؤولية أميركا وطنه عنه، قدم «سلفادور» و «مولود في الرابع من يوليو» و «وول ستريت»، ومزج ما بين الروائي والتسجيلي في ما يخص تجسيد شخصيات حقيقة لعبت أدواراً مهمة في الكشف عن أخطاء وخطايا سياسية وبينهم أخيراً سنودن رجل المعلومات في وكالة الأمن القومي الأميركي الذي قطع علاقته بماضيه ليفضح سياسات المؤسسات الأميركية في انتهاك خصوصيات البشر في كل العالم. لكن شغف ستون الأكبر كان بالسياسيين، بخاصة أولئك الذين أثاروا جدلاً واسعاً واتخذوا خطوطاً مستقلة عن الواقع في فخ السياسة الأميركية، بل ناهضوها وبينهم زعيم كوبا فيدل كاسترو الذي رحل أخيراً، وزعيم فنزويلا هوغو تشافيز، ثم (بوتين) الذي جاء بمثابة التتويج لتلك الحوارات، فضلاً عن كونه– أي بوتين– لم يجرِ حوارات مماثلة من قبل، فإنه رحب باللقاء مع ستون لأكثر من مرة، وفي سلسلة نادرة من الحوارات سجلت وقائعها عبر 12 جلسة، على مدى عامين، وهو ما دفع أربعة من كبار الشركات المنتجة للسينما والتلفزيون لدعم هذه الحوارات إنتاجياً، بخاصة مع عرضها على شاشة «شوتايم» الشهيرة للمرة الأولى.

ولأن أوليفر ستون مخرج سينما بالدرجة الأولى، فقد جاءت هذه الحوارات بأسلوب يجمع بين القدرة على التعاطي مع كل مراحل حياة الرئيس الروسي، لا سيما تلك المجهولة منها تماماً، ومع الإبحار في آرائه السياسية، بخاصة تلك المثيرة للجدل، يتجدد دائماً مثل دوره في اختراق الشبكات الأميركية إبان معركة الرئاسة الأخيرة بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، وأيضاً أسرار إدارته لروسيا بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، ليصل بها إلى موقع القوة العظمى الثانية بإرادة حديدية، وعلى رغم طول مدة المحاولات إلا أن جاذبيتها نابعة من قدرة ستون على مفاجأة بوتين بأسئلة تضرب في عمق روسيا، بما يحدث في سورية وغيرها من القضايا التي حاول ستون من خلالها الحصول على إجابات خارجة عن المألوف أو تصريحات مفاجئة أو ربما أربك ضيفه بالانتقال من زمن لآخر، ومن موقف لغيره إلا أنه– أي بوتين– كان دائماً مستعداً للإجابة التي يريدها، بنفس الهدوء ولمعة العين وشبه الابتسامة المخيم على وجهه.

نبوءة الأب

من جهة أخرى، تطرح المحاورات صوراً أخرى للرئيس الصارم، بداية من تاريخه الشخصي ودراسته وصعوده في ظل النظام الشيوعي مع جزء يخص مؤسسيه ومنهم لينين وستالين إلى صورة تذكارية نادرة لبوتين الشاب يجلس بجانب والديه المسنين وقد كتب الوالد على الصورة (ابني... الذي سيصبح يوماً رئيساً لروسيا)، ثم بداية صعوده إلى السلطة، وإصراره على التعامل مع العالم الخارجي ضد أوروبا في أزمة أوكرانيا والقرم. ومن طرائف الفيلم تلك اللمسات الصغيرة للرئيس أثناء الحوارات الطويلة كأن يحضر بوتين قدحين من القهوة له... ولستون، وأن يغير بذلاته مع التزام كامل بنفس الطراز والألوان المتشابهة الخارجية من درجات اللون الأزرق، أيضاً تلك النعومة والبساطة التي يقدر بها بوتين تعليمات المخرج في شأن اختيار الصوت وخلع أجهزته فور انتهاء الحوار، مؤكداً إدراكه التام لأهمية الحوارات والتزامه بتعليمات المحاور.

من الواضح أن هذه الحوارات أتت أشبه بنتاج طبيعي لجهد ودأب وإبداع مخرج مختلف صنع لنفسه قيمة كبرى بقدرته على فتح أبواب وملفات خشي الكثيرون منها أو على الأقل لم يقدروا أهميتها كجزء من تاريخ العالم لا بد من الحفاظ عليه... وهي رسالة مهمة أيضاً– أي هذه الحوارات– للسينمائيين والإعلاميين في العالم حول أهمية توثيق الأحداث المهمة والشخصيات المهمة في عالم سريع التغير، وربما الانقلاب.

بقي أن نذكر أن هذه «المحاورات» عرضها مهرجان الجونة السينمائي الدولي في دورته الأولى والتي عقدت في الفترة من 22 إلى 29 أيلول (سبتمبر) الماضي، وكان من ضمن مفاجآتها الجيدة، خصوصاً مع حضور أوليفر ستون ضيفاً على المهرجان وإلقائه محاضرة حول أفلامه ونهجه في صناعتها، فمن دون المهرجان وتأثير حضور ستون لم يكن أحد في بلادنا يستطيع رؤيتها، بخاصة أنها قدمت أثناء عرضها في المهرجان عبر شاشة (أون) المصرية الخاصة الداعم الإعلامي الأول للمهرجان.

. .