«محرّمات طهران» في فيلم «تحريك» واحد

«محرّمات طهران» في فيلم «تحريك» واحد

«أريد جواز سفر ومغادرة هنا بأي طريقة...

«هل هناك أفضل؟

«لا أظن، لكنهم على الأقل لن يوقفوني من أجل لا شيء!»

حوار ينطبق على عديد من البلدان التي يعاني شبابها من التضييق والإهانات في أهون الأحوال والاعتقالات والقتل في أسوأها. هو هنا بين شابين إيرانيين في «تهران تابو» أو محرمات طهران، فيلم تحريك من إنتاج ألماني نمساوي حققه الإيراني المقيم في ألمانيا علي سوزانده.

«طهران تابو»، فيلم حُشد فيه كل مافي العاصمة الإيرانية من سلبيات بل موبقات. لوحة من الكذب والنفاق والجشع والاستغلال والفساد ومن البؤس الجنسي الذي يعيشه سكان مدينة. فيلم صادم من اللحظة الأولى، مشهد جنسي لعاهرة مع سائق سيارة تاكسي فيما طفلها في المقعد الخلفي يتابع ما يجري تارة ويتلهى بالنظر من النافذة تارة أخرى. الفتاة واحدة من بطلات ثلاث للفيلم والثانية طالبة فقدت عذريتها وتريد لصق غشاء البكارة أما الثالثة فهي زوجة رجل محافظ. معهن موسيقي شاب طالب في الجامعة، ورجل دين وموظف. في مشهد تال تظهر الفتاة ذاتها بلا زينة وبحجاب «على أصوله» وهي ترجو مُلّا في محكمة شرعية لتوقيع ورقة طلاقها من زوجها المسجون والمدمن.

تتوسل إليه بأنها لن تنسى جميله وستكون «خادمته» لو قبل، والمعمم يردّ بأنه ليس في حاجة إلى خادمة، متابعاً بنظرة ذات معنى، إنما لنوع آخر! هكذا، يتنقل الفيلم بين مواقف شبيهة صادمة أحياناً بمدى إهانتها للكائن الإنساني، ويبدو كأن السيناريو قد وضع لائحة بكل موبقات طهران ثم خلق المواقف الملائمة وربطها مع بعضها بعضاً.

ازدواجية مجتمع

لاريب في أن العمل الفني أو الأدبي، هو أفضل ما يبرز خصائص مجتمع. وكمّ من كتّاب أظهروا ذلك في رواياتهم. لكن السينما أو الرواية بخلاف المقالة أو التحقيق الصحافي أو التلفزيوني، هي هنا لتجعل المشاهد يرتبط بالعمل ويتلمس شخصياته «الحقيقية» ويتفاعل معها ويتفهمها. إنها أمامه من لحم ودم وهي ليست مجرد اسم أو رقم أو حالة في مقالة ما عليها أن تعطي تقريراً عن وضع ما، بلد ما، تقرير مدروس وعملية تجميع. الفيلم كان كمن حضّر عناوين لم تغفل شيئاً ثم انتقل إلى البناء والمعالجة. المشكلة تتجلى في هذا الحشد لكل السلبيات وأحياناً الفظاعات من دون الاكتراث بأي ناحية إيجابية مهما كانت ضئيلة... والمشكلة الثانية هي في غاية الفيلم وتحديد جمهوره. بعد الاستمتاع أو عدمه بالعمل الفني يعمل المشاهد على ربط ما شاهد بالواقع، وهذا لامفر منه. هكذا أفلام إن عرضت على أهل البلد فهم قادرون على تمييز المضمون، تاكيده أو نفيه مع علمهم بوجود جوانب أخرى مخالفة لما أورده صاحب العمل. لكن أن يستعرض عمل فني جلّ ما في البلد من أمور مسكوت عنها أو معروفة تصبّ كلها في حفرة واحدة نتنة ثم يفتح الغطاء أمام جمهور أجنبي لايعرف وقد لايعرف إلا مايراه فثمة شعور بعدم الارتياح من نوايا صاحب العمل وهو يعرف سلفاً أن لا حظّ على الإطلاق لفيلمه بالعرض أمام المعنيين في ظروف طبيعية. على الأقل ليس لمنجز حُقق على هذا الشكل، إذ حتى في بعض المشاهد يبدو الأمر وكأن كاتب السيناريو والمخرج اتفقا على استغلال كل مشهد «لفضح» أقصى ما يمكن، ولحشر كل مايلزم وما لا يلزم.

في مشهد حيث زوجة الموظف المصرفي تقود سيارتها ليلاً، تظهر صغيرتان مشردتان، وهذا بالطبع مؤثر أكثر مما لو كانا صغيرين، وتركضان لمسح زجاج سيارتها في شوارع طهران وذلك من دون وجود مبرر درامي لإظهارهما. أيضاً إبراز الشبق الجنسي لكل رجال طهران بمختلف صفاتهم الطالب والرجل المتحفظ الخجول والمُلّا والتركيز على طرق ممارسة هذا الأخير بالذات للجنس بأوضاعه المتنوعة، لم يكن في ذلك شيء من العفوية بل رغبة أكيدة في إبراز ازدواجية رجل الدين ما سيكون له وقع مختلف على جمهور غربي.

كذلك ثمة تعمد لإظهار شتى أنواع المخدرات المستعملة في طهران. أما الشخصيات فكلها سلبية أو ينتهي جانبها الخيّر بالاختفاء لمصلحة الجانب السيء والشرير، إذ حتى الفتاة البريئة الخجولة والملتزمة دينياً واجتماعياً في ظاهرها ليست سوى مخادعة ومعقدة وهي تجهض نكاية بحياتها وحماتها ثم تنتحر... الطفل كذلك لا أثر لأي براءة فيه... لا أحد في طهران بريء بل الجميع منافق يعيش حياتين. في الفيلم ثمة إجهاض وغشاء بكارة صيني ومخدرات ومسكرات من كل نوع وحفلات ماجنة ودعارة وشبق جنسي وانتحار وعلاقات خارج الزواج وتسوّل وإدمان ورشوة واضطهاد للنساء وتزوير وثائق... كلها يؤكد الفيـــلم وجــودها في العمق تحت قناع من الأخلاق والدين، انفصام لا أفضل من مشهد جنسي في تواليت أحد البارات المخفية على صدى أذان الفجر للتعبير عنه!

تسقط أميركا!

ثلاث قصص متداخلة لثلاث بطلات حيث لا حياة لأي منهنّ يقدمها الفيلم خارج الحدث الخاص بها. وهنّ يبدون مجرد عناصر تخدم سرداً مبنياً كخطاب أو كتالوج تعريفي بالبلد وبانحرافات مجتمع الجمهورية الإسلامية. المكان أي طهران عبّرت عنه صور «نموذجية» بمعنى نمطية لاسيما منها جداريتا الإمامين وعلم أميركا المقصوف بصواريخ مع عبارة تسقط أميركا... المعلقتان في احد شوارع المدينة المركزية، إنهما أكثر ما يعبر عن طهران.

بالطبع لم يكن ممكناً تصوير هكذا فيلم في طهران، ولم يكن المخرج يريد التصوير في مكان آخر غير طهران لأنه شاهد أفلاماً إيرانية صوّرت في المغرب والأردن ولم يقنعه هذا فاختار التحريك بتقنية rotoscopie (روتوسكوبي)، لأنها تتيح أكثر ما يمكن من الواقعية للشخصيات والحيوية للحركات. تنطلق روتوسكوبي من فيديو حقيقي. حيث يُصوّر الفيلم مع ممثلين في استديو كأي فيلم سينمائي مع فارق أن خلفية المشاهد واحدة. ثم بعد انتهاء عمليات المونتاج يتم الانتقال للتحريك ويستخدم الكمبيوتر لهذا الغرض حيث تحدّد معالم الشخصية وحركاتها بالرسم فوق اللقطة المصورة وتوضع خلفها صور الأمكنة لتتحول الصورة الحقيقية إلى لوحة مرسومة.

عرض الفيلم في أسبوع النقاد في مهرجان «كان» وهو يعرض حالياً في الصالات الفرنسية. ويقول المخرج في حوار على موقع» ألو سيني» إن الفكرة جاءته حين سمع محادثة بين شابين في المترو عن تجاربهما مع الفتيات وأن «ثمة عاهرة كانت تحضر ابنها معها في كل مكان تعمل فيه». هكذا، بدأ بالبحث عبر «النت» للاستفهام عن أحوال الجنس في إيران اليوم وهي «أبحاث غذّت السيناريو». حكى المخرج عن ممـــنوعات قانـــونية وأخلاقية تشكل اليومي لسكان طهران فتدفع الناس إلى الاحتيال عليها. وعن الجنس قال «في حياتهم الاجتماعية ثمة تقشف وزهد في الواجهة وفي حياتهم الخاصة الجنس والكحول والمخدرات أحياناً بلا حدود، والفيلم يتحدث عن هذا المعيار المزدوج».

لكنه أثقل العيار حقاً!

. .